سهيلة عبد الباعث الترجمان

269

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

للخلق مقيد بقيد ذاتي أيضا من حيث أنهم ليسوا عين المطلق ، بل هم تعيناته ، وبهذا يتضح لنا رأي ابن عربي حول وجود الحق وأنه عين الخلق وما الخلق عين الحق ، لأن الحق له الوجود المطلق ، وقد أشار العيدروسي في شرحه على فكرة ابن عربي هذه " الحق خلق وما الخلق حق " فقال : " إن الإطلاق الحقيقي ذاتي للحق ، فلا تقيّده الأكوان بظهور تعيناتها في تجلّيه المنبسط ( الذي ) اقتضته ماهيته الثابتة ، فلو ارتفع القيد لم يكن خلق ، فلا يصح أن يقال الخلق عين الحق لأن المقيد الذي يكون القيد ذاتيا له لا يكون عين المطلق الذي يكون عين الإطلاق ذاتيا له بخلاف أن يقال : الحق عين الخلق فإنه صحيح ، لأن المطلق الحقيقي لا تقيده الأكوان ، فتجليه فيها لا ينافي التنزيه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " « 1 » « 2 » . وجملة القول إذن أن الحق والخلق وجهان لشيء واحد هو الحقيقة المطلقة أو الوجود المطلق إذ لا فرق بينهما إلا في وجوب الوجود الذي يتصف به الحق ، وإمكان الوجود الافتقار الذاتي الذي هو من طبيعة الخلق ، ولكنّ الحق يتميز عن الخلق بالصفات التي تتفرع عن وجوب الوجود ، فتكون له دون سواه كالأزلية والأبدية وغيرها ، وعليه فإن الموجودات الخارجية هي مجالي ومظاهر للوجود المطلق ، وحيث أنه تعالى في حد ذاته مطلق عن جميع القيود والحيثيات ، وغير مقيد بشيء منها ولكنه مقيد بحسب القوابل فإن العارف المحقق يعلم أن الحق هو الظاهر في جميع تلك الصور ، مع أنه تعالى في حد ذاته منزه عن جميع لوازم تلك الصور ومقدس عنها ، وأن كل أحد يعرفه بقدر استعداده وطاقته ، فيكون الواجب تعالى والحالة هذه مطلق أي معرّى عن التقييد بالغير والانضمام إليه ، وعلى هذا لا يتصور عروض الوجود للماهية الممكنة ، فليس معنى وجود الماهيات الممكنة إلا أن لها نسبة إلى حضرة الوجود القائم بذاته ، وتلك على وجوه مختلفة وأنحاء شتى بتعدد الاطلاع على

--> ( 1 ) سورة الشورى ، الآية : 11 . ( 2 ) العيدروسي ( عبد الرحمن ) ، لطائف الجود في مسألة وحدة الوجود ، تحقيق الدكتور عبد اللطيف محمد العبد ، الطبعة الأولى ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1395 ه / 1977 م ، ص 59 .